نبيل أحمد صقر
251
منهج الإمام الطاهر بن عاشور في التفسير ( التحرير والتنوير )
« واعلم أن قصة موسى والخضر قد اتخذتها طوائف من أهل النحل الإسلامية أصلا بنوا عليه قواعد موهومة . فأول ما أسسوا منها أن الخضر لم يكن نبيا وإنما كان عبدا صالحا ، وإن العلم الذي أوتيه ليس وحيا ولكنه إلهام ، وأن تصرفه الذي تصرفه في الموجودات أصل لإثبات العلوم الباطنية ، وأن الخضر منحه اللّه البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعا لتلقى العلوم الباطنية ، وأنه يظهر لأهل المراتب العليا من الأولياء فيفيدهم من علمه ما هم أهل لتلقيه . وبنوا على ذلك أن الإلهام ضرب من ضروب الوحي ، وسموه الوحي الإلهامى ، وأنه يجيء على لسان ملك الإلهام ، وقد فصله الشيخ محى الدين بن العربي في الباب الخامس والثمانين من كتابه " الفتوحات المكية " وبيّن الفرق بينه وبين وحى الأنبياء بفروق وعلامات ذكرها منثورة في الأبواب الثالث والسبعين والثامن والستين بعد المائتين . والرابع والستين بعد ثلاثمائة ، وجزم بأن هذا الوحي الإلهامى لا يكون مخالفا للشريعة ، وأطال في ذلك ، ولا يخلو ما قاله من غموض ورموز . وقد انتصب علماء الكلام وأصول الفقه لإبطال أن يكون ما يسمى بالإلهام حجة ، وعرّفوه بأنه إيقاع شئ في القلب يثلج له الصدر ، وأبطلوا كونه حجة لعدم الثقة بخواطر من ليس معصوما ، ولتفاوت مراتب الكشف عندهم ، وقد تعرض لها النسفي في عقائده ، وكل ما قاله النسفي في ذلك حق ولا يقام التشريع على أصول موهومة لا تنضبط » « 1 » . فكون الخضر ليس نبيا وأجله في الدنيا محدود بزمن ، وإنما هو عبد صالح منحه اللّه البقاء إلى انتهاء مدة الدنيا ليكون مرجعا لتلقى العلوم الباطنية ،
--> ( 1 ) التحرير والتنوير ج 16 ص 15 ، 16 .